حيدر حب الله
38
مسألة المنهج في الفكر الديني
علي الوردي في « مهزلة العقل البشري » « 1 » فإن العلماء في هذا المجال يبدؤن مقدّمات كتبهم بادعاء التجرّد والموضوعية والإنصاف العلمي بيد أنهم مع ذلك - من وجهة نظره - يصلون إلى نفس ما توصّلوا له سلفاً ومنذ البداية ، وهو - أي الوردي - يعتبر ذلك مجرّد كلماتٍ لا معنى لها ، من هنا فهو يرتئي استبدال مفهوم الموضوعية بمفهوم الشك ، وهذا كلام دقيق إلى حدٍّ معينٍ ، لأن مفهوم الموضوعية لن يتسنّى له لعب دور في الحياة العلمية ما لم يكن الإنسان في مرحلة شك حقيقي أثناء البحث ، وإلا فمن الصعب له تجاوز الذات ومساواة النظر إليها وإلى الآخر ، وهذا معناه أن المفكّر الديني - سيّما المتكلّم - لا يمكنه تجاوز أثقال الموروث ما لم يدخل نفسه في إطار شك علمي حقيقي وليس شكلياً ، وإذا وافقنا الدكتور الوردي على مقولته فنحن نوافقه في أن موضوعة « الموضوعية » أصبحت في كثير من الأحيان موضوعة مفرّغة ، والسبب في ذلك الازدواجية التي يمارسها الباحث إزاء الموضوع الذي يقرأه أو يتحاور فيه ، فعندما يكون الباحث ملتزماً بفكرةٍ معينة فهذا معناه أن يقينه بهذه الفكرة سيكون حاضراً في عمق حواره الفكري حول الموضوع الذي كان له يقين به ، وهذا يعني أن الحياد حال الحوار الذاتي الأحادي الطرف أو الخارجي المتعدّد الأطراف إنما هو حياد شكلي ما يلبث أن يتبدّد حينما تصل المسألة إلى النقطة الحرجة ، وهذا ما نشاهده بوضوح في الحوار الكلامي عموماً مهما اتسم أطراف الحوار بالموضوعية الشكلانية ، وبالتالي فالمنفذ الوحيد للموضوعية الجوهرية الحقيقية هو إعادة إنتاج مفهوم الشك العلمي لا حال الحوار مع الآخر - أي آخر وأي حوار - فقط بل في كل الحالات ، وهو ما يعني تبدّلات خطيرة جداً في مفاهيم اليقين والإيمان والقطع و . . ولا سبيل للحل إلا من خلال جماع مبدأين معرفيين هما :
--> ( 1 ) علي الوردي ، مهزلة العقل البشري : 36 .